«القبور مليئة بأشخاصٍ ظنّوا أن الحياة لا يمكن أن تستغني عنهم.»
نُتقن أعمالنا، ونبني حول مهاراتنا جدارًا من الاعتزاز المشروع، ثم نسمح له أن يتحوّل خلسةً إلى تضخيمٍ للذات. نظن أن جهة العمل لا تنهض إن غبنا، ولا يُتقن الدور إن فارقناه، غير أن الواقع — الأكثر خبرةً بنا — يُثبت عكس ذلك: المكاتب لا تفتقد أسماءنا طويلًا، والكراسي لا تحفظ حرارة الجالسين، وكل مهمة، مهما بدت حكرًا علينا، تُعاد صياغتها بيدٍ أخرى. العمل لا يخلّدنا، بل يحتفظ فقط بأثر ما قدّمناه، لا بصورة ما تخيّلناه عن أنفسنا.
وإذا وسّعنا الدائرة قليلًا، وجدنا أننا نُسقط الوهم ذاته على علاقاتنا. نعتقد أن أهلنا ينهارون بعدنا، وأن أصدقاءنا يتيهون بلا صوتنا، وأن وجودنا ضرورة تُمسك قلوب الآخرين من أطرافها. لكن الحقيقة — القاسية والرحيمة معًا — أن البشر، رغم حزنهم، يملكون قدرة مذهلة على النجاة. القلوب تتألم، نعم، لكنها تعرف كيف تُداوي فراغاتها، والزمن لا يترك جرحًا مفتوحًا دون أن يُفاوضه طويلًا على الهدوء.
مشكلتنا أننا حين ننكسر، نبحث عن معجزة لا عن فهم. ننتظر ملائكة تهبط، أو عناية سماوية تُعيد ترتيبنا دفعةً واحدة. لكن التجربة — وهي أصدق من الأمنيات — تهمس لنا دائمًا:
«الروح المنكسرة تشفى بأيادٍ بشرية، لا بأجنحة نورانية.»
فالبشر وحدهم يسمعون أنين بعضهم دون دهشة، وهم وحدهم يُرمّمون الأرواح المتصدّعة بحديثٍ صادق، أو صمتٍ مُنصت، أو حضنٍ لا يطرح أسئلة.
وفي لحظات الغضب، حين تسبق العاطفة الحكمة، نُقنع أنفسنا بأن الغاية تُبرّر الوسيلة. نقسو، ونثور، وندعو على من آلمنا، ثم نكتشف متأخرين أن الحياة أقصر من أن نُحمّلها هذا الثقل. فما نحن إلا مسافرون: نترك وظيفة، نودّع بيتًا، نغادر وطنًا، أو نهجر نسخة قديمة من أنفسنا دون وداع. لذلك، إن كانت هناك معركة تستحق أن نخوضها، فهي معركتنا مع ذواتنا لا مع الآخرين؛ فالحقد لا يقصّر الطريق، والكره — مهما بدا مُرضيًا — لا يصنع عدالة.
وفي توصيفٍ بالغ الدقّة لأخطاء البشر المتكرّرة، يُشير الفيلسوف الروماني شيشرون إلى أوهامٍ ما زالت تحكمنا حتى اليوم: الاعتقاد بأن المكاسب تُبنى على سحق الآخرين، والانشغال بما لا يمكن تغييره، والإصرار على المستحيل، والتشبّث بالتفضيلات التافهة، وإهمال صقل العقل، ومحاولة فرض معتقداتنا وطريقتنا في العيش على غيرنا. هذه الأخطاء لا تُرهق العالم بقدر ما تُثقِل أرواحنا، وتسرق منّا الخفّة التي نحتاجها لعبور هذه الرحلة القصيرة.
وعلى مستوى آخر، يستنزفنا ذلك الشعور المُضلِّل حين نقارن حياتنا بحياة غيرنا. نرى نعمهم بوضوح، وننظر إلى نعمنا بعيونٍ مُتعبة. نحسد مال الغنيّ ولا نرى أرقه، نغار من صحة أحدهم ولا نعلم شيئًا عن وحدته، نُعجب بنجاح الآخر ولا نسمع صدى جدرانه الباردة. كل إنسان يخوض معركة صامتة لا نراها؛ فمنهم من يملك المال ويُفاوض المرض، ومنهم من يملك العائلة ويُفاوض الفقد، ومنهم من يملك العمل ويُفاوض العزلة.
وفي هذا السياق، تُذكّرنا حكمة شائعة — تُنسب أحيانًا إلى الثقافة اليابانية — بأن لكل إنسان ثلاثة وجوه: وجهًا يُقدّمه للعالم، مصقولًا للإعجاب؛ ووجهًا يُظهره للمقرّبين، أكثر صدقًا لكنه لا يزال محروسًا؛ ووجهًا ثالثًا لا يراه أحد سواه، وهو أصدق انعكاس للنفس، عاريًا من توقّعات الآخرين. هذه الوجوه لا تُديننا، بل تكشف جوهر معاركنا الداخلية: أن نُقارب بينها، وأن نعيش بأقل تناقض، وأكثر سلامًا مع ذواتنا.
الحياة ليست ساحةً نتصارع فيها لإثبات التفوّق، بل مرآة نكتشف فيها هشاشتنا، ونواجه صمتنا، ونتعلّم ألّا نُشبه قسوة العالم. فالخِفّة مع الآخرين ليست ترفًا أخلاقيًا، بل ميراثًا إنسانيًا نتركه خلفنا. وما يبقى بعد رحيلنا ليس المناصب ولا البراعة، بل أثرٌ خفيف يشبه نسيمًا مرّ على قلب: كلمة لم تجرح، عين سامحت، وقلب لم يُغلق بابه رغم الخذلان.
أُحدّث نفسي دائمًا:
«إذا كان لا بدّ للإنسان أن يغادر، فليغادر أقلّ ثِقَلًا، أكثر رحمة، أنقى سيرة، وأعمق حكمة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق